فصل: تفسير الآيات رقم (1- 3)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 148‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏114‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏115‏)‏ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ‏(‏116‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ‏(‏117‏)‏ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏118‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏119‏)‏ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏120‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏121‏)‏ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏122‏)‏ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏124‏)‏ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ‏(‏125‏)‏ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏126‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏128‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏129‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ‏(‏130‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏131‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏133‏)‏ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ‏(‏134‏)‏ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ‏(‏135‏)‏ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏136‏)‏ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ‏(‏137‏)‏ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏138‏)‏ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏139‏)‏ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏140‏)‏ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ‏(‏141‏)‏ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏(‏142‏)‏ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ‏(‏143‏)‏ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏144‏)‏ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ‏(‏145‏)‏ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ‏(‏146‏)‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ‏(‏147‏)‏ فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ‏(‏148‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وهارون‏}‏ يعني‏:‏ أنعمنا عليهما بالنبوة ‏{‏ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا مِنَ الكرب العظيم‏}‏ يعني‏:‏ من الغرق ‏{‏ونصرناهم‏}‏ يعني‏:‏ موسى، وقومه، ‏{‏فَكَانُواْ هُمُ الغالبون‏}‏ بالحجة على فرعون ‏{‏وءاتيناهما‏}‏ يعني‏:‏ موسى وهارون ‏{‏الكتاب المستبين‏}‏ يعني‏:‏ المبين الذي قد بيّن فيه الحلال والحرام ‏{‏وهديناهما الصراط المستقيم‏}‏ يعني‏:‏ ثبتناهما على دين الإسلام ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الاخرين‏}‏ يعني‏:‏ الثناء الحسن في الباقين ‏{‏سلام على موسى وهارون‏}‏ يعني‏:‏ السلامة منا، والمغفرة عليهما ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين‏}‏ أي‏:‏ نكافئ المحسنين ‏{‏إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ من المرسلين‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ يعني‏:‏ نبي من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام وقال بعضهم‏:‏ إنه إدريس‏.‏ وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ‏{‏وَأَنْ إِدْرِيسَ لَمِنَ المرسلين سلام على إِدْرِيسَ‏}‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إلياس هو الخضر عليه السلام‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إلياس غير الخضر‏.‏ وإلياس صاحب البراري‏.‏ والخضر صاحب الجزائر، ويجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات ويقال‏:‏ هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، فكذبوه، فأهلكهم الله تعالى بالقحط‏.‏ وقال الله عز وجل لإلياس‏:‏ سلني أعطك‏.‏ قال‏:‏ ترفعني إليك‏.‏ فرفعه الله تعالى إليه، وجعله أرضياً، سماوياً، إنسياً، ملكياً، يطير مع الملائكة، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ‏}‏ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر‏.‏ يعني‏:‏ اتقوا الله تعالى ‏{‏أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ‏}‏ ربّاً‏.‏ روى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ البعل الصنم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ‏}‏ رباً‏.‏ وروى جبير عن الضحاك قال‏:‏ مرّ رجل وهو يقول‏:‏ من يعرف بعل البقرة‏.‏ فقال رجل أنا بعلها‏.‏ فقال له ابن عباس إنك زوج البقرة‏.‏ فقال الرجل‏:‏ يا ابن عباس أما سمعت قول الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏أَتَدْعُونَ بَعْلاً‏}‏ يعني‏:‏ رباً وأنا ربها ويقال‏:‏ البعل كان اسم ذلك الصنم خاصة الذي كان لهم‏.‏ ويقال‏:‏ كان صنماً من ذهب، فقال لهم‏:‏ ‏{‏أَتَدْعُونَ بَعْلاً‏}‏ أي الصنم ‏{‏وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين‏}‏ الذي خلقكم يعني‏:‏ تتركون عبادة الله ‏{‏الله رَبُّكُمُ‏}‏ قرأ حمزة‏.‏ والكسائي، وعاصم، في رواية حفص ‏{‏الله رَبُّكُمُ‏}‏ ‏{‏وَرَبُّ ءابَائِكُمُ‏}‏ كلها بالنصب‏.‏ وقرأ الباقون كلها بالضم‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالنصب‏.‏ يرده إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ‏}‏ على صفة أحسن الخالقين‏.‏ ومن قرأ بالضم، فهو على معنى الاستئناف‏.‏ فكأنه قال‏:‏ هو الله ربكم ورب آبائكم الأولين‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ كذبوا إلياس ‏{‏فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ هم وآلهتهم لمحضرون النار ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ فإنهم لا يحضرون النار ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاخرين‏}‏ يعني‏:‏ الثناء الحسن ‏{‏سلام على إِلْ يَاسِينَ‏}‏ قرأ نافع، وابن عامر، ‏{‏سلام على إِلْ يَاسِينَ‏}‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏إلْيَاسِين‏}‏‏.‏

ومن قرأ ‏{‏على إِلْ يَاسِينَ‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ويقال‏:‏ آل محمد‏.‏ فياسين اسم والال مضاف إليه، وآل الرجل أتباعه‏.‏ وقيل‏:‏ أهله‏.‏ ومن قرأ الياسين، فله طريقان أحدهما أنه جمع الياس‏.‏ ومعناه‏:‏ الياس، وأمته من المؤمنين‏.‏ كما يقال‏:‏ رأيت المهالبة‏.‏ يعني‏:‏ بني المهلب‏.‏ والثاني أن يكون لقبان الياس والياسين مثل ميكال وميكائيل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين‏}‏ وقد ذكرناه‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِين إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين ثُمَّ دَمَّرْنَا الاخرين‏}‏ وقد ذكرناه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ‏}‏ يعني‏:‏ إنكم يا أهل مكة لتمرون على قرياتهم، إذا سافرتم بالليل والنهار، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ يعني‏:‏ من جملة المرسلين ‏{‏إِذْ أَبَقَ‏}‏ يعني‏:‏ إذ فرّ‏.‏ ويقال‏:‏ إذ هرب‏.‏ ويقال‏:‏ خرج ‏{‏إِلَى الفلك المشحون‏}‏ يعني‏:‏ المُوقد من الناس، والدواب‏.‏ ويقال‏:‏ المجهز الذي قد فرغ من جهازه ‏{‏فساهم‏}‏ يعني‏:‏ اقترعوا وقد ذكرت قصته في سورة الأنبياء ‏{‏فَكَانَ مِنَ المدحضين‏}‏ يعني‏:‏ من المقروعين والمدحض في اللغة هو المغلوب في الحجة، وأصله من دحض الرجل إذ ذلّ من مكانه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فالتقمه الحوت‏}‏ يعني‏:‏ ابتلعه الحوت ‏{‏وَهُوَ مُلِيمٌ‏}‏ قال أهل اللغة‏:‏ المليم الذي استوجب اللوم، سواء لأمره، أو لا‏.‏ والملوم الذي يلام، سواء استوجب اللوم أو لا‏.‏ ويقال‏:‏ وهو ملوم يعني‏:‏ يلوم نفسه ‏{‏فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين‏}‏ قال مقاتل والكلبي‏:‏ لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين‏}‏ في بطن الحوت ‏{‏لَلَبِثَ‏}‏ أي‏:‏ لمكث ‏{‏فِى بَطْنِهِ‏}‏ ولكان بطنه قبره ‏{‏إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ يعني‏:‏ إلى يوم القيامة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فنبذناه بالعراء‏}‏ يعني‏:‏ نبذه الحوت على ساحل البحر‏.‏ ويقال‏:‏ بالفضاء على ظاهر الأرض‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ العراء هو المكان الخاليّ من البناء، والشجر، والنبات‏.‏ فكأنه من عرى الشيء ‏{‏وَهُوَ سَقِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ مريض‏.‏ وذكر في الخبر أنه لم يبقَ له لحم، ولا ظفر، ولا شعر، فألقاه على الأرض كهيئة الطفل لا قوة له، وقد كان مكث في بطن الحوت أربعين يوماً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ من قرع‏.‏ وهكذا قال قتادة، ومجاهد‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ كل شيء ينبت بسطاً، فهو يقطين، هكذا قال الكلبي‏.‏ وذكر في الخبر أن وعلة كانت تختلف إليه، ويشرب من لبنها، فكان تحت ظل اليقطين، ويشرب من لبن الوعلة، يعني‏:‏ بقرة الوحش حتى تقوى، ثم يبست تلك الشجرة، فاغتم لذلك، وحزن حزناً شديداً، وبكى فأوحى الله تعالى إليه إنك قد اغتتمت بيبس هذه الشجرة، فكيف لم تغتم بهلاك مائة ألف أو يزيدون‏؟‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ كما أرسلناه قبل ذلك إلى قومه، وهم مائة ألف‏.‏

يعني‏:‏ أهل نينوى ‏{‏أَوْ يَزِيدُونَ‏}‏‏.‏ يعني‏:‏ بل يزيدون‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ ويزيدون وكانوا مائة وعشرين ألفاً ‏{‏فَئَامِنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ لما جاءهم العذاب، أقروا وصدقوا، فصرف الله عنهم العذاب، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فمتعناهم إلى حِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ أبقيناهم إلى منتهى آجالهم‏.‏ فخرج يونس عليه السلام، فمر بجانب مدينة نينوى، فرأى هناك غلاماً يرعى، فقال‏:‏ من أنت يا غلام‏؟‏ فقال‏:‏ من قوم يونس‏.‏ فقال‏:‏ فإذا رجعت إليهم فأخبرهم بأنك قد رأيت يونس‏.‏ فقال الغلام‏:‏ إنه من يحدث، ولم تكن له بينة قتلوه‏.‏ فقال له يونس‏:‏ تشهد لك هذه البقعة، وهذه الشجرة‏.‏ فدخل، وقال للملك‏:‏ إني رأيت يونس عليه السلام يقرئك السلام، فلم يصدقوه، حتى خرجوا‏.‏ فشهدت له الشجرة، والبقعة‏.‏ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ فأخذ الملك بيد الغلام، وقال‏:‏ أنت أحق بالملك مني‏.‏ فأقام الغلام أميرهم أربعين سنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 157‏]‏

‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ‏(‏149‏)‏ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ‏(‏150‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ‏(‏151‏)‏ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏152‏)‏ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ‏(‏153‏)‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏154‏)‏ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏155‏)‏ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ‏(‏156‏)‏ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فاستفتهم‏}‏ يعني‏:‏ سل أهل مكة ‏{‏أَلِرَبّكَ البنات‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن جنساً من الملائكة، يقال لهم‏:‏ الجن منهم إبليس‏.‏ قال بعض الكفار‏:‏ إن الله عز وجل اتخذتهم بناتاً لنفسه، فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ فمن أمهم‏؟‏ فقالوا‏:‏ سروات الجن‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏أَلِرَبّكَ البنات وَلَهُمُ البنون‏}‏ يعني‏:‏ يختارون له البنات، ولأنفسهم البنين‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون‏}‏ يعني‏:‏ كانوا شاهدين حاضرين حين خلقهم بناتاً ‏{‏أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ من كذبهم ‏{‏لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ في قلوبهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَصْطَفَى البنات على البنين‏}‏ وذكر عن نافع أنه قرأ بإسقاط الألف في الوصل وهو قوله‏:‏ ‏{‏لكاذبون اصطفى‏}‏ وبكسرها في الابتداء‏.‏ وجعلها ألف وصل، ولم يجعلها ألف قطع، ولا ألف استفهام‏.‏ ومعناها‏:‏ أن الله عز وجل حكى عن كفار قريش أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأنهم من إفكهم ليقولون‏:‏ ولد الله، وإنهم لكاذبون في قولهم‏:‏ اصطفى البنات على البنين‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏لكاذبون اصطفى‏}‏ بإثبات الألف على معنى الاستفهام‏.‏ فلفظه لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ كيف تقضون بالحق ‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ أنه لا يختار البنات على البنين ‏{‏أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ‏}‏ يعني‏:‏ ألكم حجة‏.‏ ويقال‏:‏ ألكم عذر بيّن في كتاب الله، أنزل الله إليكم بأن الملائكة بناته ‏{‏فَأْتُواْ بكتابكم‏}‏ يعني‏:‏ أي بعذركم وحجتكم ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في مقالتكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏158- 170‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏158‏)‏ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏160‏)‏ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ‏(‏161‏)‏ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ‏(‏162‏)‏ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ‏(‏163‏)‏ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ‏(‏164‏)‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ‏(‏165‏)‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ‏(‏166‏)‏ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ‏(‏167‏)‏ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏168‏)‏ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏169‏)‏ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏170‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً‏}‏ يعني‏:‏ وصفوا بين الرب، وبين الملائكة نسباً حين زعموا أنهم بناته‏.‏ ويقال‏:‏ جعلوا بينه وبين إبليس قرابة‏.‏ وروى جبير عن الضحاك قال‏:‏ قالت قريش‏:‏ إن إبليس أخو الرحمن‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً‏}‏ قالوا‏:‏ الملائكة بنات الله، وجعلوهم من الجن‏.‏ وهكذا قال القتبي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة‏}‏ قال مقاتل والكلبي‏:‏ يعني‏:‏ علمت الملائكة الذين قالوا إنهم البنات ‏{‏إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ أن من قال‏:‏ إنهم بناته لمحضرون في النار‏.‏ ويقال‏:‏ لو علمت الملائكة أنهم لو قالوا بذلك، أدخلوا النار ثم قال عز وجل‏:‏

‏{‏سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تنزيهاً لله عما يصف الكفار‏.‏ ثم استثنى على معنى التقديم والتأخير، يعني‏:‏ فقال إنهم لمحضرون ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ يعني‏:‏ الموحدين‏.‏ فإنهم لا يقولون ذلك‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكُمْ‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين‏}‏ يعني‏:‏ ما أنتم عليه بمضلين أحداً بآلهتكم ‏{‏إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم‏}‏ يعني‏:‏ إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم‏.‏ ويقال‏:‏ إلا من كان في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم‏.‏ ويقال‏:‏ إلا من قدرت عليه الضلالة، وعلمت ذلك منه، وأنتم لا تقدرون على الإضلال والهدى ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ‏}‏ يعني‏:‏ قل يا جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم‏.‏ يعني‏:‏ مصلى معروفاً في السماء، يصلي فيه ويعبد الله تعالى فيه ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون‏}‏ يعني‏:‏ صفوف الملائكة في السموات‏.‏ وروي عن مسروق، عن ابن مسعود قال‏:‏ إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ساجد‏.‏ وروي‏:‏ أو قدماه‏.‏ وروي عن مجاهد عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْر إلاَّ وَفِيهِ جَبْهَةُ مَلَك سَاجِد»‏.‏ ويقال‏:‏ إن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ لمزمل‏:‏ 20‏)‏ ‏{‏وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ‏}‏ في السموات، يعبد الله عز وجل فيه ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون‏}‏ يعني‏:‏ المصلين ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ والله يُقَدِّرُ اليل والنهار عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الارض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَءَاخَرُونَ يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لاًّنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏

‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏ ‏{‏وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا‏}‏ يعني‏:‏ إن أهل مكة كانوا يقولون‏:‏ لو أتانا بكتاب مثل اليهود والنصارى، لكنا نؤمن، فذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الاولين‏}‏ يعني‏:‏ لو جاءنا رسول ‏{‏لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ يعني‏:‏ الموحدين‏.‏ فلما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ بالقرآن ‏{‏فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعرفون في الآخرة، وهذا وعيد لهم‏.‏ ويقال في الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏171- 182‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏171‏)‏ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ‏(‏172‏)‏ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏173‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏174‏)‏ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏175‏)‏ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏176‏)‏ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏177‏)‏ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏178‏)‏ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏179‏)‏ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏180‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ‏(‏181‏)‏ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏182‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا‏}‏ يعني‏:‏ قد مضت كلمتنا بالنصرة لعبادنا ‏{‏المرسلين‏}‏ يعني‏:‏ الأنبياء عليهم السلام وهو قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَتَبَ الله لاّغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلى إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون‏}‏ في الدنيا على أعدائهم ‏{‏وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنون أهل ديننا‏.‏ ويقال‏:‏ رسلنا لهم الغالبون في الدنيا بالغلبة، والحجة في الآخرة ‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ فأعرض عنهم إلى نزول العذاب، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال ‏{‏حتى حِينٍ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ إلى فتح مكة‏.‏ ويقال‏:‏ إلى أن تؤمر بالقتال ‏{‏وأبصارهم‏}‏ يعني‏:‏ أعلمهم ذلك ‏{‏فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يرون ماذا يفعل بهم إذا نزل بهم العذاب ‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أفبعذاب مثلي ‏{‏يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ ‏{‏فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ بقربهم وحضرتهم ‏{‏فَسَاء صَبَاحُ المنذرين‏}‏ يعني‏:‏ بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل بقرب خيبر قال‏:‏ «هَلَكَت خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرينَ» يعني‏:‏ من أنذرتهم فلم يؤمنوا‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏}‏ وتكرار الكلام للتأكيد، والمبالغة في الحجة‏.‏

ثم نزّه نفسه عما قالت الكفار، فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏سبحان رَبّكَ‏}‏ يا محمد ‏{‏رَبّ العزة‏}‏ والقدرة ‏{‏عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ عما يقولون وقرئ في الشاذ ‏{‏رَبّ العزة‏}‏ ويكون نصباً على المدح، وفي الشاذ قرئ ‏(‏رَبُّ العِزَّة‏)‏ بالرفع على معنى هو رب العزة‏.‏ وقراءة العامة‏:‏ بالكسر على معنى النعت‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وسلام على المرسلين‏}‏ بتبليغ الرسالة‏.‏ ففي الآية دليل وتنبيه للمؤمنين بالتسليم على جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏والحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ على هلاك الكافرين الذين لم يوحدوا ربهم‏.‏ ويقال‏:‏ حمد الرب نفسه ليكون دليلاً لعباده، ليحمدوه سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين‏.‏

سورة ص

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ‏(‏1‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ‏(‏2‏)‏ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ص والقرءان‏}‏ قرأ الحسن‏:‏ صاد بالكسر‏.‏ وجعلها من المصادات‏.‏ يقول عارض القرآن‏:‏ أي عارض عملك بالقرآن‏.‏ ويقال‏:‏ بقلبك‏.‏ وروى معمر، عن قتادة، في قوله ‏{‏ص‏}‏ قال‏:‏ هو كما تقول تلق كذا أي‏:‏ هيئ نفسك لقدوم فلان‏.‏ يعني‏:‏ طهر نفسك بآداب القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «القُرْآنُ مَأْدُبَةُ الله تَعَالَى فَتَطَّعمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ» وكان عيسى ابن مريم يعمر، يقرأ صَادَ بالنصب، وكذلك يقرأ قاف، ونون بالنصب‏.‏ ومعناه‏:‏ اقرأ صاد، وقراءة العامة بسكون الدال، لأنها حروف هجاء، فلا يدخلها الإعراب، وتقديرها الوقف عليها‏.‏ وقيل‏:‏ في تفسير قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ص‏}‏ يعني‏:‏ الله هو الصادق‏.‏ ويقال‏:‏ هو قسم‏.‏ ‏{‏والقرءان‏}‏ عطف عليه قسم بعد قسم‏.‏ ومعناه أقسمت بصاد، وبالقرآن‏.‏ وقال علي بن أبي طالب‏:‏ الصاد اسم بحر في السماء‏.‏ وقال ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏ص والقرءان‏}‏ يعني‏:‏ صادقوا القرآن حتى تعرفوا الحق من الباطل‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ معناه صدق الله‏.‏

ثم قال ‏{‏ص والقرءان ذِى‏}‏ يعني‏:‏ والقرآن ذي الشرف‏.‏ ويقال‏:‏ فيه ذكر من كان قبله، وجواب القسم عند قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 64‏]‏ والجواب قد يكون مؤخراً عن الكلام كما قال‏:‏ ‏{‏والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 1، 2‏]‏ وجوابه قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 14‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والسمآء ذَاتِ البروج‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 1‏]‏ وجوابه قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 12‏]‏ وقال بعضهم‏:‏ جواب القسم هاهنا ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ ومعناه‏:‏ لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذف اللام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ في حمية‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 206‏]‏ يعني‏:‏ الحمية‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فِى عِزَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ في تكبر ‏{‏وَشِقَاقٍ‏}‏ يعني‏:‏ في خلاف من الدين بعيد‏.‏ ويقال‏:‏ في عداوة، ومباعدة، وتكذيب‏.‏ وقال القتبي‏:‏ بل في اللغة على وجهين أحدهما لتدارك كلام غلطت فيه‏.‏ تقول‏:‏ رأيت زيداً بل عمراً‏.‏ والثاني أن يكون لترك شيء، وأخذ غيره من الكلام كقوله‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ‏}‏‏.‏

ثم خوّفهم فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ‏}‏ يعني‏:‏ من أمة ‏{‏فَنَادَوْاْ‏}‏ يعني‏:‏ فنادوا في الدنيا، واستغاثوا ‏{‏وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ‏}‏ يعني‏:‏ وليس تحين فرار‏.‏ قال الكلبي‏:‏ فكانوا إذا قاتلوا، قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏مَنَاصٍ‏}‏ يعني‏:‏ يقول احمل حملة واحدة، فينجو من نجا، ويهلك من هلك‏.‏ فلما أتاهم العذاب قالوا‏:‏ ‏{‏مَنَاصٍ‏}‏ مثل ما كانوا يقولون‏.‏ فقال الله تعالى‏:‏ ليس تحين فرار وهي لغة اليمن‏.‏ وقال القتبي‏:‏ النوص التأخر‏.‏ والبوص التقدم في كلام العرب‏.‏ وروى معمر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ‏}‏ قال‏:‏ نادوا على غير حين النداء‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ نادوا وليس تحين انفلات‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ اختلفوا في الوقف‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ يوقف عند قوله‏:‏ ‏{‏وَّلاَتَ‏}‏ ثم يبتدأ ب ‏{‏حِينَ مَنَاصٍ‏}‏ لأنا لا نجد في شيء من كلام العرب ولات‏.‏ أما المعروف لا ولأنَّ تفسير ابن عباس يشهد لها، وذلك أنه قال‏:‏ ليس تحين فرار‏.‏ وليس هي أخت لا ولا بمعناها‏.‏ قال أبو عبيد ومع هذا تعمدت النظر في الذي يقال له‏:‏ مصحف الإمام‏.‏ وهو مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجدت التاء متصلة مع حين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 10‏]‏

‏{‏وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ‏(‏4‏)‏ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ‏(‏5‏)‏ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ‏(‏6‏)‏ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ‏(‏7‏)‏ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ‏(‏8‏)‏ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ‏(‏9‏)‏ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ مخوف منهم، ورسول منهم يعني‏:‏ من العرب وهو محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ‏}‏ يكذب على الله تعالى أنه رسوله ‏{‏أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا‏}‏ يعني‏:‏ كيف يتسع لحاجتنا إله واحد ‏{‏إِنَّ هذا لَشَئ عُجَابٌ‏}‏ يعني‏:‏ لأمر عجيب‏.‏ والعرب تحول فعيلاً إلى فعال‏.‏ وهاهنا أصله شيء عجيب‏.‏ كما قال في سورة ق ‏{‏أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 2‏]‏ ‏{‏وانطلق الملا مِنْهُمْ‏}‏ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله‏:‏ أخبرنا الثقة بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ لما مرض أبو طالب، دخل عليه نفر من قريش، فقالوا‏:‏ يا أبا طالب إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويقول ويقول، ويفعل ويفعل، فأرسل إليه، فانهه عن ذلك، فأرسل إليه أبو طالب، وكان إلى جنب أبي طالب موضع رجل، فخشي أبو جهل إن جاء النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إلى جنب عمه، أن يكون أرق له عليه‏.‏ فوثب أبو جهل، فجلس في ذلك المجلس، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد مجلساً إلا عند الباب‏.‏ فلما دخل، قال له أبو طالب‏:‏ يا ابن أخي إن قومك يشكونك، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، وتفعل وتفعل‏.‏ فقال‏:‏ «يَا عَمُّ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، تُدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِي إليهِم بِهَا العَرَبُ والعَجَمُ الجِزْيَةَ» فقالوا‏:‏ وما هي فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لاَ إله إلاَّ الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، ويقولون‏:‏ ‏{‏أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَئ عُجَابٌ وانطلق الملا مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الأشراف من قريش ‏{‏أَنِ امشوا‏}‏ يعني‏:‏ امكثوا ‏{‏واصبروا‏}‏ يعني‏:‏ اثبتوا ‏{‏على ءالِهَتِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ على عبادة آلهتكم ‏{‏إِنَّ هذا لَشَئ يُرَادُ‏}‏ يعني‏:‏ لأمر يراد كونه بأهل الأرض‏.‏ ويقال‏:‏ إن هذا لشيء يراد‏.‏ يعني‏:‏ لا يكون ولا يتم له ‏{‏مَّا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الاخرة‏}‏ يعني‏:‏ في اليهود والنصارى ‏{‏إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق‏}‏ يعني‏:‏ يختلقه من قبل نفسه‏.‏ ويقال‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَشَئ يُرَادُ‏}‏ يعني‏:‏ أراد أن يكون‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا بْل‏}‏ يعني‏:‏ أخصّ بالنبوة من بيننا‏.‏ يقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى‏}‏ يعني‏:‏ في ريب من القرآن والتوحيد ‏{‏بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ لم يذوقوا عذابي كقوله‏:‏ ‏{‏قَالَتِ الاعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أعمالكم شَيْئاً إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏

‏[‏الحجرات‏:‏ 14‏]‏ أي‏:‏ لم يدخل فهذا تهديد لهم، أي‏:‏ سيذوقوا عذابي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ مفاتيح رحمة ربك‏.‏ يعني‏:‏ مفاتيح النبوة بأيديهم، ليس ذلك بأيديهم، وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ‏{‏العزيز الوهاب‏}‏ يعني‏:‏ بيد الله ‏{‏العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏الوهاب‏}‏ لمن يشاء‏.‏ بل الله يختار من يشاء للوحي، فيوحي الله عز وجل وهي الرسالة لمن يشاء ‏{‏وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب‏}‏ يعني‏:‏ إن لم يرضوا بما فعل الله تعالى، فليتكلفوا الصعود إلى السماء‏.‏ وقال القتبي‏:‏ أسباب السماء أي‏:‏ أبواب السماء، كما قال القائل‏.‏ ولو نال أسباب السماء بسلم‏.‏ قال‏:‏ ويكون أيضاً ‏{‏فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب‏}‏ يعني‏:‏ في الجبال إلى السماء كما سألوك أن ترقى إلى السماء، فتأتيهم بآية، وهذا كله تهديد، وتوبيخ بالعجز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ ‏(‏11‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ ‏(‏12‏)‏ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ ‏(‏13‏)‏ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ‏(‏14‏)‏ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ‏(‏15‏)‏ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏16‏)‏ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏17‏)‏ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ‏(‏18‏)‏ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ‏(‏19‏)‏ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ‏(‏20‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏جُندٌ مَّا هُنَالِكَ‏}‏ يعني‏:‏ جند عند ذلك، وما زائدة‏.‏ يعني‏:‏ حين أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏مَهْزُومٌ‏}‏ يعني‏:‏ مغلوب ‏{‏مّن الاحزاب‏}‏ يعني‏:‏ من الكفار‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ فأخبر الله تعالى بهزيمتهم ببدر‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني عند ذلك إن أرادوه ‏{‏مَهْزُومٌ‏}‏ مغلوب‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ من قبل أهل مكة ‏{‏قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الاوتاد‏}‏ يعني‏:‏ ذو ملك ثابت، شديد دائم ويقال‏:‏ ذو بناء محكم‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ في عز ثابت‏.‏ والعرب تقول‏:‏ فلان في عز ثابت الأوتاد‏.‏ يريدون دائم شديد، وأصل هذا أن بيوت العرب تثبت بأوتاد‏.‏ ويقال‏:‏ هي أوتاد كانت لفرعون يعذب بها، وكان إذا غضب على أحد شدّه بأربعة أوتاد‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب لئَيْكَةِ‏}‏ يعني‏:‏ الغيضة وهم قوم شعيب عليه السلام ‏{‏أُوْلَئِكَ الاحزاب‏}‏ يعني‏:‏ الكفار، سموا أحزاباً لأنهم تحزبوا على أنبيائهم‏.‏ أي‏:‏ تجمعوا، وأخبر في الابتداء أن مشركي قريش، حزب من هؤلاء الأحزاب ‏{‏إِن كُلٌّ‏}‏ يعني‏:‏ ما كل ‏{‏إِلاَّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ عِقَابِ‏}‏ يعني‏:‏ وجب عذابي عليهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء‏}‏ يعني‏:‏ قومك ‏{‏إِلاَّ صَيْحَةً واحدة‏}‏ يعني‏:‏ النفخة الأولى ‏{‏مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ‏}‏ يعني‏:‏ من نظرة، ومن رجعة‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏فَوَاقٍ‏}‏ بضم الفاء‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالنصب‏.‏ ومعناهما واحد‏.‏ يسمى ما بين حلبتي الناقة ‏{‏فَوَاقٍ‏}‏ لأن اللبن يعود إلى الضرع‏.‏ وكذلك إفاقة المريض يعني‏:‏ يرجع إلى الصحة‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ‏}‏ يعني‏:‏ من رجوع‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ من فتحها أراد ما لها من راحة ولا إفاقة يذهب بها إلى إفاقة المريض، ومن ضمها جعلها من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين، يعني‏:‏ ما لها من انتظار‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الفُواق والفَواق واحد، وهو ما بين الحلبتين‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا‏}‏ قال ابن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش‏:‏ «مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله أُعْطِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ» فقالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا‏}‏ يعني‏:‏ صحيفتنا، وكتابنا في الدنيا ‏{‏قَبْلَ يَوْمِ الحساب‏}‏ والقط في اللغة الصحيفة المكتوبة‏.‏ ويقال‏:‏ لما نزل قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كتابيه‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 19‏]‏ فقالوا ‏{‏رَبَّنَا عَجّل لَّنَا‏}‏ هذا الكتاب ‏{‏قَبْلَ يَوْمِ الحساب‏}‏ استهزاء‏.‏

ثم عزّى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏اصبر على مَا يَقُولُونَ‏}‏ من التكذيب ‏{‏واذكر عَبْدَنَا دَاودُ ذَا الايد‏}‏ يعني‏:‏ ذا القوة على العبادة ‏{‏إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ مقبل على طاعة الله عز وجل‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏أَوَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ مطيع‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ‏}‏ يعني‏:‏ ذلّلنا الجبال ‏{‏يُسَبّحْنَ‏}‏ مع داود عليه السلام ‏{‏بالعشى والإشراق‏}‏ يعني‏:‏ في آخر النهار، وأوله‏.‏ وروى طاوس أن ابن عباس قال لأصحابه‏:‏ هل تجدون صلاة الضحى في القرآن‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏يُسَبّحْنَ بالعشى والإشراق‏}‏ كانت صلاة الضحى يصليها داود عليه السلام‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والطير مَحْشُورَةً‏}‏ يعني‏:‏ مجموعة ‏{‏كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ مطيع‏.‏ وقال عمرو بن شرحبيل‏:‏ الأواب بلغة الحبشة المسيح‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ المقبل على طاعة الله تعالى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ‏}‏ يعني‏:‏ قوّينا حراسه‏.‏ قال مقاتل والكلبي‏:‏ كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل‏.‏ ويقال‏:‏ قوينا ملكه، وأثبتناه، وحفظناه عليه‏.‏ وروي في الخبر أن غلاماً استعدى على رجل، وادعى عليه‏.‏ بقراً فأنكر المدعى عليه، وقد كان لطمه لطمة حين ادعى عليه، فسأل داود من الغلام البينة، فلم يقمها، فرأى داود في منامه أن الله عز وجل يأمره أن يقتل المدعى عليه، ويسلم البقر إلى الغلام‏.‏ فقال داود‏:‏ هو منام ثم أتاه الوحي بذلك، فأخبر بذلك بنو إسرائيل، فجزعت بنو إسرائيل وقالوا‏:‏ رجل لطم غلاماً لطمة فقتله بذلك‏.‏ فقال داود عليه السلام‏:‏ هذا أمر الله تعالى به، فسكتوا‏.‏ ثم أحضر الرجل فأخبره أن الله تعالى أمره بقتله‏.‏ فقال الرجل‏:‏ صدقت يا نبي الله‏:‏ إني قتلت أباه غيلة، وأخذت البقر، فقتله داود، فعظمت هيبته، وشدد ملكه‏.‏ فلما رأى الناس ذلك جلّ أمره في أعينهم، وقالوا‏:‏ إنه يقضي بوحي الله تعالى، ثم إن الله تعالى أرخى سلسلة من السماء، وأمره بأن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان ظالماً لا يقدر على أخذ السلسلة‏.‏ وقد كان غصب رجل من رجل لؤلؤاً، فجعل اللؤلؤ في جوف عصاً له، ثم خاصمه المدعي إلى داود عليه السلام فقال المدعي‏:‏ إن هذا أخذ مني لؤلؤاً، وإني لصادق في مقالتي‏.‏ فجاء، وأخذ السلسلة، ثم قال المدعى عليه‏:‏ خذ مني العصا، فأخذ عصاه، وقال‏:‏ إني قد دفعت إليه اللؤلؤ، وإني لصادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة‏.‏ فتحير داود عليه السلام في ذلك، فرفعت السلسلة، وأمره بأن يقضي بالبينات والأيمان، فذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ‏}‏ يعني‏:‏ الفهم، والعلم‏.‏ ويقال‏:‏ يعني النبوة ‏{‏وَفَصْلَ الخطاب‏}‏ يعني‏:‏ القضاء بالبينات، والأيمان‏.‏ وقال قتادة، والحسن؛ ‏{‏وَفَصْلَ الخطاب‏}‏ يعني‏:‏ البينة على الطالب، واليمين على المطلوب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 26‏]‏

‏{‏وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ‏(‏21‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ‏(‏22‏)‏ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ‏(‏23‏)‏ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ‏(‏24‏)‏ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏25‏)‏ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ‏(‏26‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم‏}‏ يعني‏:‏ خبر الخصم‏.‏ ويقال‏:‏ خبر الخصوم أي‏:‏ وهل أتاك يا محمد، ما أتاك، حين أتاك، ويقال‏:‏ وقد أتاك ‏{‏إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب‏}‏ والتسور أن يصعد في مكان مرتفع، وإنما سمي المحراب سوراً، لارتفاعه من الأرض‏.‏ ويقال ‏{‏تَسَوَّرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ دخلوا عليه من فوق الجدار‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ وذلك أن داود عليه السلام جزأ الدهر أربعة أيام‏.‏ فيوماً لنسائه، ويوماً لقضائه، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً لبني إسرائيل ليسألونه فقال يوماً لبني إسرائيل‏:‏ أيكم يستطيع أن يتفرغ لعبادة ربه يوماً لا يصيب الشيطان منه شيئاً‏؟‏ فقالوا‏:‏ يا نبي الله، والله لا نستطيع‏.‏ فحدث داود نفسه أنه يستطيع ذلك‏.‏ فدخل محرابه، وأغلق بابه، فقام يصلي في المحراب، فجاء طائر في أحسن صورة مزين كأحسن ما يكون، فوقع قريباً منه، فنظر إليه، فأعجبه، فوقع في نفسه منه، فدنا منه ليأخذه، فوقع قريباً منه وأطمعه، أن سيأخذه، ففعل ذلك ثلاث مرات، حتى إذا كان في الرابعة، ضرب يده عليه فأخطأه، ووقع على سور المحراب‏.‏ قال‏:‏ وخلف المحراب حوض تغتسل فيه النساء، فضرب يده عليه، وهو على سور المحراب، فأخطأه وهرب الطائر، فأشرف داود، فإذا بامرأة تغتسل، فلما رأته نقضت شعرها، فغطى جسدها، فوقع في نفسه منها ما يشغله عن صلاته، فنزل من محرابه، ولبست المرأة ثيابها، وخرجت إلى بيتها، فخرج حتى عرف بيتها، وسألها من أنت‏؟‏ فأخبرته‏:‏ فقال‏:‏ هل لك زوج‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال أين هو‏؟‏ فقالت‏:‏ في بعث كذا وكذا، وجند كذا وكذا‏.‏ فرجع، وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا، فاجعل فلاناً في أول الخيل‏.‏ فقدم في فوارس، فقاتل، فقتل‏.‏ ثم انتظر حتى انقضت عدتها، فخطبها، وتزوجها‏.‏ فبينما هو في المحراب، إذ تسور عليه ملكان، وكان الباب مغلقاً، ففزع منهما، فقالا‏:‏ لا تخف ‏{‏خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق‏}‏ يعني‏:‏ اقض بيننا بالعدل‏.‏ ثم خاصم أحدهما الآخر، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً‏}‏ إلى آخره‏.‏ فعلم داود عليه السلام أنه مراد بذلك، فخرّ راكعاً وأناب‏.‏ قال الحسن‏:‏ سجد أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة‏.‏ قال‏:‏ ولم يذق طعاماً، ولا شراباً، حتى أوحى الله عز وجل إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك‏.‏ وهكذا ذكر في رواية الكلبي عن ابن عباس، أنه سجد أربعين يوماً حتى سقط جلد وجهه، ونبت العشب من دموعه‏.‏ فقال‏:‏ يا رب كيف ترحمني وأنا أعلم أنك منتقم مني بخطيئتي، وذكر أن جبريل عليه السلام قال له‏:‏ اذهب إلى أوريا فاستحل منه، فإنك تسمع صوته في يوم كذا، فأتاه ذات ليلة، فناداه، فأجابه، فاستحل منه، فقال‏:‏ أنت في حلّ‏.‏

فلما رجع، قال له جبريل‏:‏ هل أخبرته بجرمك‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإنك لم تفعل شيئاً‏.‏ قال‏:‏ فارجع، فأخبره بالذي صنعت، فرجع داود فأخبره بذلك، فقال‏:‏ أنا خصمك يوم القيامة، فرجع مغتماً، وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل عليه السلام فقال‏:‏ إن الله تعالى يقول‏:‏ إني أستوهبك من عبدي فيهبك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء، فسري عنه ذلك، وكان محزوناً في عمره، باكياً على خطيئته‏.‏ وروي في خبر آخر، أن داود سمع بني إسرائيل كانوا يقولون في دعائهم‏:‏ يا إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فيستجاب لهم‏.‏ فقال لهم داود عليه السلام اذكروني فيهم‏.‏ فقولوا‏:‏ يا إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وداود، فقالوا‏:‏ الله أمرك بهذا‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فقالوا‏:‏ لا نزيد فيهم ما لم يأمرك الله تعالى بذلك‏.‏ فسأل داود ربه أن يجعله فيهم، فأوحى الله تعالى إليه، وذكر له ما لقي إبراهيم من الشدائد، وما لقي إسحاق ويعقوب عليهم السلام فسأل داود ربه أن يبتليه ببلية لكي يبلغ منزلتهم، فابتلي بذلك حتى بلغ مبلغهم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذه القصة لا تصح لأنه لا يظن بالنبي مثل داود أنه يفعل مثل ذلك، ولكن كانت خطيئته أنه لما اختصما إليه، فقال للمدعي‏:‏ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فنسبه إلى الظلم بقول المدعي‏.‏ فكان ذلك منه زلة، فاستغفر ربه عن زلته، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ‏}‏ وقال بعضهم‏:‏ كانوا اثنين‏.‏ فذكر بلفظ الجماعة فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ‏}‏ وقال بعضهم‏:‏ كانوا جماعة، ولكنهم كانوا فريقين فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ دَخَلُواْ على * دَاوُودُ ****فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ استطال، وظلم بعضنا على بعض ‏{‏فاحكم بَيْنَنَا بالحق‏}‏ يعني‏:‏ اقض بيننا بالعدل ‏{‏وَلاَ تُشْطِطْ‏}‏ أي ولا تجر في الحكم، والقضاء‏.‏ ويقال‏:‏ أشططت إذا جرت ‏{‏واهدنا إلى سَوَاء الصراط‏}‏ يعني‏:‏ أرشدنا إلى أعدل الطريق‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ أعطني هذه النعجة‏.‏ وهذا قول الكلبي ومقاتل‏.‏ وقال القتبي ‏{‏أَكْفِلْنِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ ضمها إليّ، واجعلني كافلها ‏{‏وَعَزَّنِى فِى الخطاب‏}‏ يعني‏:‏ غلبني في الكلام ‏{‏قَالَ‏}‏ داود ‏{‏لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ‏}‏ أي‏:‏ مع نعاجه ‏{‏وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء‏}‏ يعني‏:‏ من الإخوان والشركاء ‏{‏لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليظلم بعضهم بعضاً ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ فإنهم لا يظلمون ‏{‏وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ‏}‏ يعني‏:‏ قليل منهم الذين لا يظلمون‏.‏ فلما قضى بينهما داود عليه السلام أحب أن يعرفهما، فصعد إلى السماء حيال وجهه ‏{‏وَظَنَّ * دَاوُودُ‏}‏ يعني‏:‏ علم داود‏.‏

ويقال‏:‏ ظن بمعنى أيقن‏.‏ إلا أنه ليس بيقين عياناً، لأن العيان لا يقال فيه إلا العلم‏.‏ ‏{‏أَنَّمَا فتناه‏}‏ يعني‏:‏ ابتليناه، واختبرناه‏.‏ ويقال‏:‏ إنهما ضحكا، وذهبا‏.‏ فعلم داود أن الله عز وجل ابتلاه بذلك‏.‏ وروي عن أبي عمرو في بعض الروايات أنه قرأ ‏{‏أَنَّمَا فتناه‏}‏ بالتخفيف، ومعناه ظن أن الملكين اختبراه، وامتحناه في الحكم وقراءة العامة ‏{‏فتناه‏}‏ بالتشديد يعني‏:‏ أن الله عز وجل قد اختبره، وامتحنه بالملكين ‏{‏فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏وَخَرَّ‏}‏ وقع راكعاً ساجداً ‏{‏وَأَنَابَ‏}‏ يعني‏:‏ أقبل إلى طاعة الله تعالى بالتوبة‏.‏ وروى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الله البجلي قال‏:‏ إن داود لم يرفع رأسه إلى السماء، مذ أصاب الخطيئة حتى مات‏.‏ وذكر في الخبر أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، فتزوج امرأة أوريا على شرط أن يكون ولدها خليفة بعده، فولد له منها سليمان، وكان خليفته بعده‏.‏

يقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك‏}‏ يعني‏:‏ ذنبه ‏{‏وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى‏}‏ لقربة ‏{‏وَحُسْنُ مَئَابٍ‏}‏ أي‏:‏ المرجع في الآخرة‏.‏ وروي أن كاتباً كان يكتب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ‏}‏ وكان تحت شجرة، فقرأها، وكتبها، فخرت الشجرة ساجدة لله تعالى، وهي تقول‏:‏ اللهم اغفر بها ذنباً، وخرت الدواة ساجدة كذلك، وهي تقول اللهم‏:‏ احطط عني بها وزراً‏.‏ وكذلك الصحيفة التي في يده، وهي تقول‏:‏ اللهم أحدث مني بها شكراً‏.‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله رأيتني الليلة، وأنا نائم، كأني أصلي خلف الشجرة، فقرأت السجدة فسجدتُّ فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول‏:‏ اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود‏.‏ قال ابن عباس فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة‏.‏ وأيضاً سئل ابن عباس عن سجدة ‏{‏ص‏}‏ من أين سجدت‏.‏ قال‏:‏ أما تقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وسليمان‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالمين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏ فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءً به‏.‏

ثم قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مَئَابٍ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ أكرمناك بالنبوة، وجعلناك خليفة، والخليفة الذي يقوم مقام الذي قبله، فقام مقام الخلفاء الذين قبله، وكان قبله النبوة في سبط، والملك في سبط آخر، فأعطاهما الله تعالى لداود‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فاحكم بَيْنَ الناس بالحق‏}‏ يعني‏:‏ بالعدل ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى‏}‏ أي‏:‏ لا تمل إلى هوى نفسك، فتقضي بغير عدل‏.‏ ويقال‏:‏ لا تعمل بالجور في القضاء، ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى‏}‏ كما اتبعت في بتشايع، وهي امرأة أوريا، ‏{‏فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ يعني‏:‏ عن طاعة الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ الهوى يستزلك ‏{‏عَن سَبِيلِ الله‏}‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ يعني‏:‏ عن دين الله الإسلام ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب‏}‏ يعني‏:‏ بما تركوا من العمل ليوم القيامة، فلم يخافوه‏.‏ ويقال‏:‏ بما تركوا الإيمان بيوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ‏(‏27‏)‏ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ‏(‏28‏)‏ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السماء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ من الخلق ‏{‏باطلا‏}‏ يعني‏:‏ عبثاً لغير شيء، بل خلقناهما لأمر هو كائن ‏{‏ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ يظنون أنهما خلقتا لغير شيء، وأنكروا البعث ‏{‏فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار‏}‏ يعني‏:‏ جحدوا من النار يعني‏:‏ من عذاب النار ‏{‏أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ وذلك أن كفار مكة قالوا‏:‏ إنا نعطى في الآخرة، من الخير أكثر مما تعطون فنزل‏:‏ ‏{‏أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ في الثواب ‏{‏كالمفسدين فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ كالمشركين‏.‏ وقال في رواية الكلبي‏:‏ نزلت في مبارزي يوم بدر ‏{‏أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ علياً، وحمزة، وعبيدة رضي الله عنهم ‏{‏كالمفسدين فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت في جميع المسلمين، وجميع الكافرين‏.‏ يعني‏:‏ لا نجعل جزاء المؤمنين كجزاء الكافرين في الدنيا والآخرة، كما قال في آية أُخرى‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً محياهم ومماتهم سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار‏}‏ يعني‏:‏ كالكفار في الثواب‏.‏ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الوعيد‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا جبريل عليه السلام به إليك ‏{‏مُّبَارَكٌ‏}‏ يعني‏:‏ كتاب مبارك فيه مغفرة للذنوب لمن آمن به، وصدقه، وعمل بما فيه، ‏{‏لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته‏}‏ أي‏:‏ لكي يتفكروا في آياته‏.‏ قرأ عاصم في إحدى الروايتين‏:‏ ‏{‏لِتَدَبَّرُوا‏}‏ بالتاء مع النصب، وتخفيف الدال‏.‏ وهو بمعنى‏:‏ لتتدبروا‏.‏ فحذفت إحدى التاءين، وتركت الأخرى خفيفة، وقراءة العامة ‏{‏مبارك لّيَدَّبَّرُواْ‏}‏ بالياء، وتشديد الدال‏.‏ وهو بمعنى‏:‏ ليتدبروا‏.‏ فأدغمت التاء في الدال، وشددت‏.‏

ثم قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلِيَتَذَكَّرَ‏}‏ يعني‏:‏ وليتعظ بالقرآن ‏{‏أُوْلُو الالباب‏}‏ يعني‏:‏ ذوو العقول من الناس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 34‏]‏

‏{‏وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏30‏)‏ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ‏(‏31‏)‏ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ‏(‏32‏)‏ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏وَوَهَبْنَا لداود سليمان‏}‏ يعني‏:‏ أعطينا لداود سليمان‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أولادنا من مواهب الله عز وجل‏.‏

ثم قرأ‏:‏ و‏{‏لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والارض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 49‏]‏ فوهب الله تعالى لداود سليمان ‏{‏نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ مقبلاً إلى طاعة الله تعالى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشى‏}‏ يعني‏:‏ في آخر النهار ‏{‏الصافنات الجياد‏}‏ يعني‏:‏ الخيل‏.‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ صفن الفرس إذا رفع إحدى رجليه، فيقوم على طرف حافره‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ الصافن الواقف من الخيل‏.‏ وفي الخبر‏:‏ «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يعني‏:‏ يديمون له القيام، والجياد الحسان‏.‏ ويقال‏:‏ الإسراع في المشي‏.‏ وقال ابن عباس في رواية الكلبي‏:‏ إن أهل دمشق من العرب، وأهل نصيبين جمعوا جموعاً، وأقبلوا ليقاتلوا سليمان، فقهرهم سليمان، وأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرضت على سليمان الخيل، فجعل ينظر إليها، ويتعجب من حسنها، حتى شغلته عن صلاة العصر، وغربت الشمس، ثم ذكرها بعد ذلك، فغضب، وقال‏:‏ ‏{‏رُدُّوهَا عَلَىَّ‏}‏، فضرب بسوقها، وأعناقها بالسيف، حتى خرّ منها تسعمائة فرس، وهي التي كانت عرضت عليه، وبقيت مائة فرس لم تعرض عليه كما كان في أيدي الناس الآن من الجياد، فهو من نسلها أي‏:‏ من نسل المائة الباقية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير‏}‏ يعني‏:‏ آثرت حب المال ‏{‏عَن ذِكْرِ رَبِى‏}‏ يعني‏:‏ عن الصلاة، وهي صلاة العصر ‏{‏حتى تَوَارَتْ بالحجاب‏}‏ يعني‏:‏ حتى غابت الشمس، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره‏.‏ يعني‏:‏ ذكر الشمس لأن في الكلام دليلاً فاكتفى بالإشارة عن العبارة‏.‏ قوله‏.‏ عز وجل ‏{‏رُدُّوهَا عَلَىَّ‏}‏ يعني‏:‏ قال سليمان‏:‏ ردوا الخيل عليّ، فردت عليه ‏{‏فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق‏}‏ يعني‏:‏ يضرب السوق وهو جماعة الساق ‏{‏والاعناق‏}‏ وهو جمع العنق‏.‏ وروي عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كانت عشرين ألف فرس‏.‏ وقال السدي‏:‏ كانت خيل لها أجنحة‏.‏ وقال أبو الليث‏:‏ يجوز أن يكون مراده في سرعة السير، كأن لها أجنحة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر‏.‏ وقال عامة المفسرين في قوله‏:‏ ‏{‏فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والاعناق‏}‏ يعني‏:‏ فضرب سوقها، وأعناقها‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لم يعقر ولكن جعل على سوقهن، وعلى أعناقهن، سمة وجعلها في سبيل الله‏.‏ قال‏:‏ لأن التوبة لا تكون بأمر منكر‏.‏ ولكن الجواب عنه أن يقال له‏:‏ يجوز أن يكون ذلك مباحاً في ذلك الوقت، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان‏}‏ ابتليناه ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ يعني‏:‏ شيطاناً‏.‏

قال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى‏.‏ فأخذ شيطان يقال له‏:‏ صخر خاتمه، وجلس على كرسيه أربعين يوماً، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة ‏{‏ثُمَّ أَنَابَ‏}‏ يعني‏:‏ رجع إلى ملكه، وأقبل على طاعة الله تعالى‏.‏ وقال الحسن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ قال‏:‏ شيطاناً‏.‏ وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال‏:‏ سألت كعباً عن قوله‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ قال‏:‏ شيطاناً‏.‏ يعني‏:‏ أخذ خاتم سليمان الذي فيه ملكه، فقذفه في البحر، فوقع في بطن سمكة، وانطلق سليمان يطوف، فتصدق عليه بسمكة، فشواها ليأكل، فإذا فيها خاتمه‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ إن سليمان تزوج امرأة من أهل الكتاب، وكان لها عبد، فطلبت منه أن يجزرها لعبدها‏.‏ يعني‏:‏ ينحر الجزور فأجزرها، فكره ذلك منه ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه‏.‏ وروى معمر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ قال‏:‏ كان الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة، حتى ردّ الله تعالى إليه ملكه‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ قال‏:‏ شيطان يقال له صخر‏.‏ قال له سليمان يوماً‏:‏ كيف تفتنون الناس‏؟‏ فقال له‏:‏ أرني خاتمك أخبرك‏.‏ فلما أعطاه إياه، نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد صخر على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن، فأنكرته أم سليمان، أهو سليمان أم آصف‏؟‏ فكان يقول‏:‏ أنا سليمان‏.‏ فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، ودخل صخر البحر فاراً‏.‏ وذكر شهر بن حوشب نحو هذا، وقال‏:‏ لما جلس سليمان على سريره، بعث في طلب صخر، فأتي به، فأمر به، فقورت له صخرة، وأدخله فيها، ثم أطبق عليها، وألقاه في البحر، وقال‏:‏ هذا سجنك إلى يوم القيامة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان لا يصح، لأنه لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطاناً من الشياطين على أحكام المسلمين، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء عليهم السلام ولكن تأويل الآية والله أعلم‏:‏ أن سليمان كان له ابن، فجاء ملك الموت يوماً زائراً لسليمان، فرآه ابنه فخافه، وتغيّر لونه، ومرض من هيبته، فأمر سليمان عليه السلام الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه، فلما رفعته الريح فوق السحاب، ودنا أجله، فقبض ابنه، وألقي على كرسيه فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً‏}‏ يعني‏:‏ ابنه الميت‏.‏ قال‏:‏ والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام، والشراب، كالميت ونحوه‏.‏

وذكر أن سليمان جزع على ابنه، إذ لم يكن له إلا ابن واحد، فدخل عليه ملكان، فقال أحدهما‏:‏ إن هذا مشى في زرعي فأفسده‏.‏ فقال له سليمان‏:‏ لم مشيت في زرعه‏؟‏ فقال‏:‏ لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس، ولم أجد مسلكاً غير ذلك‏.‏ فقال سليمان للآخر‏:‏ لم زرعت في طريق الناس، أما علمت أن الناس لا بد لهم من طريق يمشون فيه‏؟‏ فقال لسليمان‏:‏ صدقت‏.‏ لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت‏؟‏ ثم غابا عنه‏.‏ فاستغفر سليمان فذلك قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنَابَ‏}‏ يعني‏:‏ تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 40‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ‏(‏35‏)‏ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ‏(‏36‏)‏ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ‏(‏37‏)‏ وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ‏(‏38‏)‏ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏39‏)‏ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً‏}‏ أي‏:‏ أعطني ملكاً ‏{‏لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ أعطني ملكاً لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى‏.‏ ويقال‏:‏ إنما تمنى ملكاً لا يكون لأحد من بعده، حتى يكون ذلك معجزة له، وعلامة لنبوته‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ الوهاب‏}‏ يعني‏:‏ المعطي الملك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ‏}‏ وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح، والشياطين‏.‏ فلما دعا بذلك، سخرت له الريح والشياطين‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ‏}‏ يعني‏:‏ بأمر سليمان‏.‏ ويقال‏:‏ بأمر الله تعالى ‏{‏رُخَاء‏}‏ يعني‏:‏ لينة مطيعة ‏{‏حَيْثُ أَصَابَ‏}‏ يعني‏:‏ حيث أراد من الأرض، والنواحي ‏{‏أَصَابَ‏}‏ يعني‏:‏ أراد‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ العرب تقول‏:‏ أصاب الصواب، فأخطأ الجواب‏.‏ يعني‏:‏ أراد الصواب، فأخطأ الجواب‏.‏ ‏{‏والشياطين‏}‏ يعني‏:‏ سخرنا له كل شيء، وسخرنا له الشياطين أيضاً ‏{‏كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ‏}‏ يعني‏:‏ يغوصون في البحر، ويستخرجون اللؤلؤ، وقال مقاتل‏:‏ وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر ‏{‏وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ‏}‏ يعني‏:‏ مردة الشياطين موثقين ‏{‏فِى الاصفاد‏}‏ يعني‏:‏ في الحديد ويقال‏:‏ ‏{‏الاصفاد‏}‏ الأغلال‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏هذا عَطَاؤُنَا‏}‏ يعني‏:‏ هذا عطاؤنا لك، وكرامتنا عليك ‏{‏فامنن‏}‏ يعني‏:‏ اعتق من شئت منهم، فخلّ سبيله من الشياطين ‏{‏أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ احبس في العمل، والوثاق، والسلاسل من شئت منهم ‏{‏بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ أي‏:‏ فلا تبعة عليك في الآخرة فيمن أرسلته، وفيمن حبسته‏.‏ ويقال‏:‏ ليس عليك بذلك إثم ‏{‏وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى‏}‏ يعني‏:‏ لقربى ‏{‏وَحُسْنُ مَئَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ حسن المرجع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 44‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ‏(‏41‏)‏ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ‏(‏42‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏43‏)‏ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ‏}‏ يعني‏:‏ واذكر صبر عبدنا أيوب ‏{‏إِذْ نادى رَبَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ دعا ربه ‏{‏أَنّى مَسَّنِىَ الشيطان‏}‏ يعني‏:‏ أصابني الشيطان ‏{‏بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ‏}‏ وهو المشقة والعناء والأمراض، وعذاب في ماله‏.‏ يعني‏:‏ هلاك أهله، وماله وقد ذكرناه في سورة الأنبياء قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏اركض بِرِجْلِكَ هذا‏}‏ يعني‏:‏ قال له جبريل‏:‏ اضرب الأرض برجلك، فضرب فنبعت عين من تحت قدميه، فاغتسل فيها، فخرج منها صحيحاً، ثم ضرب برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد، فشرب منها، فذلك قوله ‏{‏هذا مُغْتَسَلٌ‏}‏ يعني‏:‏ الذي اغتسل منها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بَارِدٌ وَشَرَابٌ‏}‏ يعني‏:‏ الذي شرب منها‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لاِوْلِى الالباب وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً‏}‏ يعني‏:‏ قبضة من سنبل فيها مائة سنبلة‏.‏ وقال الكلبي ‏{‏ضِغْثاً‏}‏ أي‏:‏ مجتمعاً‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الضغث القبضة الواحدة، فأخذ عيداناً رطبة من الآس، فيه مائة عود‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الضغث الحزمة من العيدان، والكلأ ‏{‏فاضرب بّهِ‏}‏ يعني‏:‏ اضرب به امرأتك ‏{‏وَلاَ تَحْنَثْ‏}‏ في يمينك‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ قالت امرأته‏:‏ لو ذبحت عناقاً باسم الشيطان‏؟‏ فقال‏:‏ لا، وَلاَ كَفّاً مِن تُرَاب‏.‏ وحلف أنه يضربها مائة سوط، وأمر بأن يبرّ في يمينه ‏{‏إِنَّا وجدناه صَابِراً‏}‏ على البلاء الذي ابتليناه ‏{‏نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ مقبل على طاعة ربه‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ أصاب أيوب البلاء سبع سنين، ومكث يوسف في السجن سبع سنين، ويقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ لما هلك ماله‏.‏ قال‏:‏ كان ذلك من عطاء الله، ولما هلك أولاده قال‏:‏ ‏{‏الذين إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ راجعون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 156‏]‏ ولما ابتلي بالنفس قال‏:‏ إني له‏.‏ ويقال‏:‏ واذكر أنت يا محمد صبر عبدنا أيوب، إذ ضاق صدرك من أذى الكفار، وأمر أمتك ليذكروا صبره، ويعتبروا، ويصبروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 64‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ‏(‏45‏)‏ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ‏(‏46‏)‏ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ‏(‏47‏)‏ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ‏(‏48‏)‏ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏49‏)‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ‏(‏50‏)‏ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ‏(‏51‏)‏ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ‏(‏52‏)‏ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ‏(‏54‏)‏ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ ‏(‏55‏)‏ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏56‏)‏ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ‏(‏57‏)‏ وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ‏(‏58‏)‏ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ‏(‏59‏)‏ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ‏(‏60‏)‏ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ‏(‏61‏)‏ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ‏(‏62‏)‏ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ‏(‏63‏)‏ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ‏(‏64‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏واذكر عِبَادَنَا إبراهيم‏}‏ فجعل العبد نعت إبراهيم خاصة، كأنه قال‏:‏ واذكر عبدنا قرأ ابن كثير ‏{‏واذكر عَبْدَنَا‏}‏ بغير ألف وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏عِبَادِنَا‏}‏ بالألف‏.‏ فمن قرأ عبدنا فمعناه‏:‏ ‏{‏واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ‏}‏ فجعل العبد نعتاً لإبراهيم خاصة، فكأنه قال‏:‏ ‏{‏واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ‏}‏ ‏{‏و‏}‏ اذكر ‏{‏لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ‏}‏ ومن قرأ ‏{‏عِبَادِنَا‏}‏ يعني‏:‏ ما بعده مع إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، ويَعْقُوبَ ‏{‏أُوْلِى الايدى والابصار‏}‏ يعني‏:‏ أولي القوة في العبادة، والأبصار‏.‏ يعني‏:‏ ذوي البصر في أمر الله تعالى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار‏}‏ يعني‏:‏ اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ معناه واذكر صبر إبراهيم، وصبر إسحاق، وصبر يعقوب، ولم يذكر صبر إسماعيل لأنه لم يبتلَ بشيء‏.‏ قرأ نافع ‏{‏بِخَالِصَةٍ‏}‏ بغير تنوين على معنى الإضافة‏.‏ وقرأ الباقون مع التنوين‏.‏ وروي عن مالك بن دينار أنه قال‏:‏ نزع الله ما في قلوبهم من حب الدنيا، وذكرها، وقد أخلصهم بحب الآخرة، وذكرها‏.‏ ومن قرأ ‏{‏بِخَالِصَةٍ‏}‏ بالتنوين، جعل قوله‏:‏ ‏{‏ذِكْرَى الدار‏}‏ بدلاً من خالصة‏.‏ والمعنى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أخلصناهم‏}‏ بذكر الدار، والدار هاهنا دار الآخرة‏.‏ يعني‏:‏ جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار، والرجوع إلى الله تعالى‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار‏}‏ يعني‏:‏ المختارين للرسالة، الأخيار في الجنة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واذكر إسماعيل‏}‏ قال مقاتل‏:‏ واذكر صبر إسماعيل، وهو أشمويل بن هلفانا‏.‏ وقال غيره‏:‏ هو إسماعيل بن إبراهيم‏.‏ يعني‏:‏ اذكر لقومك صبر إسماعيل، وصدق وعده ‏{‏واليسع وَذَا الكفل‏}‏ واليسع كان خليفة إلياس، وذا الكفل كفل مائة نبي أطعمهم، وكساهم، ‏{‏وَكُلٌّ مّنَ الاخيار هذا ذِكْرُ‏}‏ يعني‏:‏ هذا الذي ذكرنا من الأنبياء عليهم السلام في هذه السورة ‏{‏ذُكِرَ‏}‏ يعني‏:‏ بيان لعظمته ‏{‏وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ من هذه الأمة ‏{‏لَحُسْنَ مَئَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ حسن المرجع‏.‏

ثم وصف الجنة فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب‏}‏ يعني‏:‏ تفتح لهم الأبواب فيدخلونها‏.‏ يعني‏:‏ الجنة كما قال تعالى في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 73‏]‏ فإذا دخلوها، وجلسوا على السرر، وكانوا ‏{‏مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ ألوان الفاكهة، والشراب ‏{‏وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف‏}‏ يعني‏:‏ غاضات أعينهن عن غير أزواجهن ‏{‏أَتْرَابٌ‏}‏ يعني‏:‏ ذات أقران‏.‏ أي‏:‏ مستويات على سن واحد ‏{‏هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب‏}‏ يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ يعني‏:‏ إنّ هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب‏.‏

وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، بالياء على معنى الإخبار عنهم‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏ يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا‏}‏ يعني‏:‏ إن هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين ‏{‏مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا يكون له فناء، ولا انقطاع عنهم، وهذا كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 33‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ يعني‏:‏ هذا الرزق للمتقين فيتم الكلام عند قوله‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏‏.‏

ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ‏}‏ يعني‏:‏ للكافرين، لبئس المرجع لهم في الآخرة‏.‏

ثم بيّن مرجعهم فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا‏}‏ يعني‏:‏ يدخلونها ‏{‏فَبِئْسَ المهاد‏}‏ يعني‏:‏ فبئس موضع القرار ‏{‏هذا فَلْيَذُوقُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ هذا العذاب لهم ‏{‏فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ‏}‏ وهو ماء حار قد انتهى حرّه‏.‏ قرأ حمزة والكسائي، وحفص ‏{‏غسَّاق‏}‏ بتشديد السين وقرأ الباقون‏:‏ بالتخفيف‏.‏ وعن عاصم روايتان‏.‏ رواية حفص بالتشديد، ورواية أبي بكر بالتخفيف‏.‏ فمن قرأ بالتشديد فهو بمعنى سيال، وهو ما يسيل من جلود أهل النار‏.‏ ومن قرأ بالتخفيف جعله مصدر غسق يغسق غساقاً‏.‏ أي‏:‏ سال‏.‏ وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرآ ‏{‏غساق‏}‏ بالتشديد، وفسراه بالزمهرير‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏الغساق‏}‏ البارد الذي انتهى برده‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الحميم هو ماء حار قد انتهى حره‏.‏ وأما غساق فهو الزمهرير يعني‏:‏ برد يحرق كما تحرق النار وقال بعضهم‏:‏ الغساق‏:‏ المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَغَسَّاقٌ وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أزواج‏}‏ يعني وعذاب آخر من نحوه يعني من نحو الحميم والزمهرير‏.‏ قرأ أبو عمر، وابن كثير، في إحدى الروايتين ‏{‏وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ‏}‏ بضم الألف‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏وَأَخَّرَ‏}‏ بالنصب فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة، ومعناه‏:‏ وأنواع أخر ومن قرأ‏:‏ ‏{‏وَأَخَّرَ‏}‏ بنصب الألف بلفظ الواحد، يعني‏:‏ وعذاب آخر من شكله أي‏:‏ مثل عذابه الأول ‏{‏أزواج‏}‏ يعني‏:‏ ألوان ‏{‏هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ جماعة داخلة معكم النار‏.‏ يقال‏:‏ اقتحم إذا دخل في المهالك، وأضلوا الدخول‏.‏ تقول الخزنة للقادة‏:‏ وهذه جماعة داخلة معكم النار، وهم الأتباع ‏{‏لاَ مَرْحَباً بِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا وسع الله لهم ‏{‏إِنَّهُمْ صَالُو النار‏}‏ يعني‏:‏ داخل النار معكم فردت الأتباع على القادة ‏{‏قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا وسع الله عليكم ‏{‏أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا‏}‏ يعني‏:‏ أسلفتموه لنا، وبدأتم بالكفر قبلنا، فاتبعناكم ‏{‏فَبِئْسَ القرار‏}‏ يعني‏:‏ بئس موضع القرار في النار‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا‏}‏ الأمر هذا الذي كنا فيه ‏{‏فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى النار وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الاشرار‏}‏ يعني‏:‏ فقراء المسلمين‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أتخذناهم سِخْرِيّاً‏}‏ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، ‏{‏سِخْرِيّاً أتخذناهم‏}‏ بالوصل‏.‏

وقرأ الباقون‏:‏ بالقطع فمن قرأ بالقطع، فهو على معنى الاستفهام بدليل قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الابصار‏}‏ لأن ‏{‏أَمْ‏}‏ تدل على الاستفهام‏.‏ ومن قرأ‏:‏ بالوصل، فمعناه‏:‏ أنا ‏{‏أتخذناهم سِخْرِيّاً‏}‏ وجعل ‏{‏أَمْ‏}‏ بمعنى بل‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ونافع ‏{‏سِخْرِيّاً‏}‏ بضم السين‏.‏ وقرأ الباقون بالكسر‏.‏ قال القتبي‏:‏ فمن قرأ بالضم، جعله من السخرة‏.‏ يعني‏:‏ تستذلهم‏.‏ ومن قرأ بالكسر فمعناه إنا كنا نسخر منهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الابصار‏}‏ يعني‏:‏ مالت، وحادت أبصارنا عنهم، فلا نراهم‏.‏ قال الله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار‏}‏ يعني‏:‏ يتكلم به أهل النار ويتخاصمون فيما بينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 69‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏65‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ‏(‏66‏)‏ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ‏(‏67‏)‏ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ‏(‏68‏)‏ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ‏}‏ يعني‏:‏ رسول أخوفكم عذاب الله تعالى، وأبيّن لكم، أن الله تعالى واحد ‏{‏وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار‏}‏ يعني‏:‏ قاهر لخلقه ‏{‏رَب السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز‏}‏ بالنقمة ‏{‏الغفار‏}‏ للمؤمنين‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن حديث عظيم، لأنه كلام رب العالمين ‏{‏أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تاركون، فلا تؤمنون به‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ‏}‏ يعني‏:‏ قل إن النبأ الذي أنبأتكم عن الله عز وجل ‏{‏نَبَأٌ عَظِيمٌ‏}‏ فيه دليل نبوتي مما ذكر فيه من قصة آدم عليه السلام، فإن ذلك لا يعرف إلا بوحي، أو بقراءة كتب، ولم يكن قرأ الكتب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة عليهم السلام ‏{‏إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يتكلمون حين قالوا‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏ وإنما عرفت ذلك بالوحي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 88‏]‏

‏{‏إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏70‏)‏ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ‏(‏71‏)‏ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ‏(‏72‏)‏ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ‏(‏73‏)‏ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ‏(‏75‏)‏ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏76‏)‏ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ‏(‏77‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ‏(‏78‏)‏ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏79‏)‏ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏80‏)‏ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ‏(‏81‏)‏ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏82‏)‏ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏83‏)‏ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ‏(‏84‏)‏ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏85‏)‏ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏(‏86‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏87‏)‏ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏إِن يوحى إِلَىَّ‏}‏ يعني‏:‏ ما يوحي إليَّ ‏{‏إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ إِلاَّ أَنا رسول بيّن‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ آدم ‏{‏فَإِذَا سَوَّيْتُهُ‏}‏ يعني‏:‏ جمعت خلقه ‏{‏وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى‏}‏ يعني‏:‏ وجعلت الروح فيه ‏{‏فَقَعُواْ لَهُ ساجدين‏}‏ يعني‏:‏ اسجدوا له ‏{‏فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ سجدوا كلهم دفعة واحدة ‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ‏}‏ أبى عن السجود ‏{‏استكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ وصار من الكافرين ‏{‏قَالَ يَا إِبْلِيسَ‏}‏ ما منعك يعني‏:‏ يا خبيث ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف تفسيرها‏.‏ يعني‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏بِيَدَىَّ‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلقت بيدي‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ تفسيرها كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقْتَهُ بِيَدَىَّ‏}‏‏.‏ ولا نفسر اليد‏.‏ ونقول‏:‏ يد لا كالأيدي‏.‏ وهذا قول أهل السنة والجماعة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى‏.‏ يعني‏:‏ خلقه بقدرته، وقوته، وإرادته‏.‏ فإن قيل‏:‏ قد خلق الله عز وجل سائر الأشياء بقوته، وقدرته، وإرادته‏.‏ فما الفائدة في التخصيص هنا‏؟‏ قيل له‏:‏ قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضاً، وهو قوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أنعاما فَهُمْ لَهَا مالكون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ‏}‏ أي‏:‏ بقوتي‏.‏ قوة العلم، وقوة القدرة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏خَلَقْتَهُ بِيَدَىَّ‏}‏ أي‏:‏ بماء السماء، وتراب الأرض، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏ وكما قال عليه السلام‏:‏ «خَلَقَ الله تَعَالَى الخَلْقَ مِنْ مَاءٍ» وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن‏.‏ وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضاً ما له ظهر وبطن‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لاَ تَقُولُوا فَلاَنٌ قَبِيح فَإِن الله عز وجل خلق آدم عَلَى صُورَتِهِ»‏.‏ ومن قال‏:‏ إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ولكن المعنى في الخبر، ما روي عن بعض المتقدمين أنه قال‏:‏ إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة، وخلق آدم عليه السلام بتلك الصورة، فمن ذلك قال‏:‏ «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ» أي‏:‏ على تلك الصورة التي اختارها الله‏.‏ روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ‏:‏ ‏{‏بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ‏}‏ موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام، بدليل قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمْ كُنتَ مِنَ العالين‏}‏ ومن قرأ موصولة، فهو على معنى الوجوب‏.‏

وتكون ‏{‏أَمْ‏}‏ بمعنى بل، ‏{‏أَسْتَكْبَرْتَ‏}‏ يعني‏:‏ تعظمت عن السجود ‏{‏أَمْ كُنتَ مِنَ العالين‏}‏ يعني‏:‏ بل كنت من العالين، من المخالفين لأمري‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ إبليس‏:‏ ‏{‏أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم‏}‏ وقد ذكرناه من قبل ‏{‏قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين قَالَ فالحق والحق أَقُولُ‏}‏ يقال‏:‏ معناه قولي الحق‏.‏ وأقول‏:‏ الحق‏.‏ قرأ حمزة وعاصم ‏{‏فالحق‏}‏ بالضم القاف‏.‏ وقرأ الباقون، واتفقوا في الثاني أنه بالنصب‏.‏ فمن قرأ بالضم فمعناه‏:‏ أنا الحق، والحق أقول‏.‏ ويقال‏:‏ فمعناه‏:‏ فالحق مني، والحق أقول‏.‏ ويقال‏:‏ معناه فقولنا الحق، وأقول الحق ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء‏.‏ يعني‏:‏ الزموا الحق، واتبعوا الحق‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والحق أَقُولُ‏}‏ يعني‏:‏ وأقول الحق كقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 122‏]‏‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ يعني‏:‏ من ذريتك، وممن تبعك في دينك‏.‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ على الذي أتيتكم به من القرآن من أجر، ولكن أعلمكم بغير أجر ‏{‏وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين‏}‏ يعني‏:‏ ما أتيتكم به من قبل نفسي، وما تكلفته من تلقاء نفسي، ‏{‏إِنْ هُوَ‏}‏ يعني‏:‏ ما هذا القرآن ‏{‏إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين‏}‏ يعني‏:‏ إلا عظة للجن، والإنس، ‏{‏وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ‏}‏ يعني‏:‏ خبر هذا القرآن أنه حق بعد حين‏.‏ يعني‏:‏ بعد الموت‏.‏ ويقال‏:‏ بعد الإسلام‏.‏ ويقال‏:‏ بعد ظهور الإسلام، والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الزمر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ‏(‏2‏)‏ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ‏(‏3‏)‏ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏4‏)‏ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قول الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله‏}‏ يعني‏:‏ القرآن صار رفعاً بالابتداء، وخبره من الله تعالى‏.‏ أي‏:‏ نزل الكتاب من عند الله ‏{‏العزيز‏}‏ بالنقمة ‏{‏الحكيم‏}‏ في أمره‏.‏ ومعناه‏:‏ نزل جبريل بهذا القرآن من عند الله ‏{‏العزيز الحكيم‏}‏ وقال بعضهم‏:‏ صار رفعاً لمضمر فيه‏.‏ ومعناه‏:‏ هذا الكتاب تنزيل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا إليك جبريل بالكتاب ‏{‏بالحق‏}‏ ‏{‏فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين‏}‏ يعني‏:‏ استقم على التوحيد، وعلى عبادة الله تعالى مخلصاً، وإنما خاطبه، والمراد به قومه‏.‏ يعني‏:‏ وحدوا الله تعالى، ولا تقولوا مع الله شريكاً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص‏}‏ يعني‏:‏ له الولاية، والوحدانية‏.‏ ويقال‏:‏ له الدين الخالص، والخالص هو دين الإسلام‏.‏ فلا يقبل غيره من الأديان، لأن غيره من الأديان ليس هو بخالص سوى دين الإسلام‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء‏}‏ يعني‏:‏ عبدوا من دونه أرباباً، وأوثاناً، ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ‏}‏ على وجه الإضمار‏.‏ قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يقولون ما نعبدهم‏.‏ وروي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أنهما كانا يقرآن ‏{‏والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء‏}‏ قالوا‏:‏ ‏{‏مَا‏}‏ بالياء، وقراءة العامة مَا نَعْبُدُهُمْ‏}‏ على وجه الإضمار، لأن في الكلام دليلاً عليه ‏{‏نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى‏}‏ يعني‏:‏ ليشفعوا لنا، ويقربونا عند الله‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى‏}‏ يعني‏:‏ منزلة‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يقضي بينهم يوم القيامة ‏{‏فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ من الدين‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَهْدِى‏}‏ أي‏:‏ لا يرشد إلى دينه ‏{‏مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ‏}‏ في قوله‏:‏ الملائكة بنات الله وعيسى ابن الله ‏{‏كَفَّارٌ‏}‏ يعني‏:‏ كفروا بالله بعبادتهم إياهم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه لا يوفق لتوحيده من هو كاذب على الله، حتى يترك كذبه، ويرغب في دين الله‏.‏ ‏{‏لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً‏}‏ كما قلتم ‏{‏لاصطفى‏}‏ يعني‏:‏ لاختار من الولد ‏{‏مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء‏}‏ من خلقه إن فعل ذلك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏سبحانه‏}‏ نزه نفسه عن الولد، وعن الشرك، ‏{‏هُوَ الله الواحد القهار‏}‏ يعني‏:‏ الذي لا شريك له ‏{‏القهار‏}‏ يعني‏:‏ القاهر لخلقه‏.‏

ثم بيّن ما يدل على توحيده، ويعجز عنه المخلوقون‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏خُلِقَ السموات والارض بالحق‏}‏ يعني‏:‏ للحق، ولم يخلقهما باطلاً لغير شيء ‏{‏يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ يدهور الليل على النهار ‏{‏وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل‏}‏ يعني‏:‏ يدور النهار على الليل‏.‏ وقال مقاتل ‏{‏يُكَوّرُ‏}‏ يعني‏:‏ يسلط عليه، وهو انتقاص كل واحد منهما من صاحبه‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏يُكَوّرُ‏}‏ يعني‏:‏ يزيد من النهار في الليل، فيكون اللَّيل أطول من النهار، ويزيد من الليل في النهار، فيكون النهار أطول من الليل‏.‏ هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا‏.‏ وقال القتبي ‏{‏يُكَوّرُ‏}‏ يعني‏:‏ يدخل هذا على هذا‏.‏ وأصل التكوير اللف، والجمع، ومنه كور العمامة ومنه قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا الشمس كُوِّرَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل‏}‏ ‏{‏وَسَخَّرَ الشمس والقمر‏}‏ يعني‏:‏ ذلل ضوء الشمس، والقمر، للخلق ‏{‏كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ إلى أقصى منازله‏.‏ ويقال‏:‏ إلى يوم القيامة‏.‏ ‏{‏إِلاَّ هُوَ العزيز‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏العزيز‏}‏ بالنقمة لمن لم يتب ‏{‏الغفار‏}‏ لمن تاب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏العزيز‏}‏ في ملكه‏.‏ ‏{‏الغفار‏}‏ لخلقه بتأخير العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ‏(‏6‏)‏ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة‏}‏ يعني‏:‏ من نفس آدم عليه السلام ‏{‏ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا‏}‏ حواء ‏{‏وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج‏}‏ يعني‏:‏ ثمانية أصناف‏.‏ وقد فسرناه في سورة الأنعام ‏{‏يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ‏}‏ يعني‏:‏ نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، حالاً بعد حال، ‏{‏فِى ظلمات ثلاث‏}‏ أي‏:‏ ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهو الذي يكون فيه الولد في الرحم، فتخرج بعد ما يخرج الولد، ‏{‏ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، ‏{‏لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُصْرَفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ من أين تكذبون على الله، ومن أين تعدلون عنه إلى غيره‏؟‏ فاعلموا، أنه خالق هذه الأشياء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِن تَكْفُرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ إن تجحدوا وحدانيته، ‏{‏فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ عن إقراركم، وعبادتكم، ‏{‏وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر‏}‏ قال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ ليس يرضى من دينه الكفر‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر‏}‏ وهو ما قاله لإبليس‏:‏ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر‏}‏ يعني‏:‏ بشيء من عبادة الكفار ‏{‏وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ إن تؤمنوا بالله، وتوحدوه، يرضه لكم‏.‏ يعني‏:‏ يقبله منكم، لأنه دينه، ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ يعني‏:‏ لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ‏{‏ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ مصيركم في الآخرة ‏{‏فَيُنَبّئُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ فيخبركم، ‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ من خير، أو شر، فيجازيكم، ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ يعني‏:‏ عالم بما في ضمائر قلوبهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ‏(‏8‏)‏ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏9‏)‏ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ‏}‏ يعني‏:‏ إذا أصاب الكافر شدة في جسده، ‏{‏دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ مقبلاً إليه بدعائه ‏{‏ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ‏}‏ قال مقاتل يعني‏:‏ أعطاه، وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ بدله عافية مكان البلاء ‏{‏نَسِىَ‏}‏ ترك الدعاء ‏{‏مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ‏}‏ ويتضرع به، ‏{‏وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً‏}‏ يعني‏:‏ يصف لله شريكاً، ‏{‏لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ بنصب الياء، وهو من ضل يضل‏.‏ يعني‏:‏ ترك الهدى‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ بالضم‏.‏ يعني‏:‏ ليضلّ الناس‏.‏ ويقال‏:‏ ليضل نفسه بعبادة غير الله، ويصرفهم عن سبيل الله‏.‏ يعني‏:‏ عن دين الله ‏{‏قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ عش في الدنيا مع كفرك قليلاً ‏{‏إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار‏}‏ يعني‏:‏ من أهل النار‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً‏}‏ وأصل القنوت هو القيام‏.‏ ثم سمي المصلي قانتاً، لأنه بالقيام يكون‏.‏ ومعناه‏:‏ أمن هو مصل كمن لا يكون مصلياً على وجه الإضمار‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ القَانِتِ القَائِمِ» يعني‏:‏ المصلي القائم‏.‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، ‏{‏مِن‏}‏ بالتخفيف‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالتشديد‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالتخفيف، فقد روي عن الفراء أنه قال‏:‏ معناه يا من هو قانت‏.‏ كما تقول في الكلام‏:‏ فلان لا يصوم، ولا يصلي، فيا من يصلي، ويصوم، أبشر‏.‏ فكأنه قال‏:‏ يا من هو قانت أبشر‏.‏ ومن قرأ‏:‏ بالتشديد‏.‏ فإنَّه يريد به معنى الذي‏.‏ ومعناه‏:‏ الذي هو من أصحاب النار‏.‏ فهذا أفضل أم الذي هو قانت آناء الليل‏.‏ يعني‏:‏ ساعات الليل في الصلاة، ساجداً، وقائماً في الصلاة، ‏{‏يَحْذَرُ الاخرة‏}‏ يعني‏:‏ يخاف عذاب الآخرة، ‏{‏مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ مغفرة الله تعالى ‏{‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ‏}‏ وهم المؤمنون، ‏{‏والذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ وهم الكفار في الثواب، والطاعة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يصدقون بما وعد الله في الآخرة من الثواب، ‏{‏والذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يصدقون‏.‏ ويقال‏:‏ معناه قل هل يستوي العالم والجاهل‏.‏ فكما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي‏.‏ ‏{‏إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الالباب‏}‏ يعني‏:‏ يعتبر في صنعي، وقدرتي من له عقل، وذهن‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ ياعباد الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ‏{‏اتقوا رَبَّكُمُ‏}‏ يعني‏:‏ اخشوا ربكم في صغير الأمور، وكبيرها، واثبتوا على التوحيد‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة في الآخرة‏.‏

ويقال‏:‏ ‏{‏لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ شهدوا أن لا إله إلا الله في الدنيا حسنة‏.‏ يعني‏:‏ لهم الجنة في الآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ‏}‏ أي‏:‏ ثبتوا على إيمانهم فلهم الجنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ الجنة واسعة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ المدينة، فتهاجروا فيها‏.‏ يعني‏:‏ انتقلوا إليها، واعملوا لآخرتكم، ‏{‏إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم، وثوابهم على الله، ‏{‏بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ بلا عدد، ولا انقطاع‏.‏ وروى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ»‏.‏ قال سفيان لما نزل ‏{‏مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 160‏]‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي»‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ والله يضاعف لِمَن يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 261‏]‏ قال‏:‏ «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل ‏{‏مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رَبِّ زِدْ أُمَّتِي» فنزل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ‏(‏11‏)‏ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏12‏)‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏13‏)‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ‏(‏14‏)‏ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ‏(‏15‏)‏ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ‏(‏16‏)‏ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ‏(‏17‏)‏ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏18‏)‏ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ‏(‏19‏)‏ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏

‏{‏قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين‏}‏ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام‏؟‏ فنزل‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا نبي الله ‏{‏إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين‏}‏ يعني‏:‏ التوحيد، ‏{‏وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين‏}‏ من أهل بلدي ‏{‏قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى‏}‏ وعبدت غيره، ينزل علي ‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ في يوم القيامة ‏{‏قُلِ الله أَعْبُدُ‏}‏ يعني‏:‏ أعبد الله ‏{‏مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى‏}‏ أي‏:‏ توحيدي‏.‏ ‏{‏فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ‏}‏ من الآلهة‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ‏}‏ ‏[‏الكافرون‏:‏ 6‏]‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ‏}‏ لفظه لفظ التخبير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله‏:‏ ‏{‏اعملوا مَا شِئْتُم مِن دُونِهِ‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً‏}‏ ويقال‏:‏ قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ‏}‏ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا‏:‏ خسرت إن خالفت دين آبائك‏.‏ فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة‏}‏ يعني‏:‏ أنتم الخاسرون، لا أنا‏.‏ ويقال‏:‏ الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، ‏{‏أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين‏}‏ يعني‏:‏ الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، ‏{‏لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار‏}‏ يعني‏:‏ أطباقاً من نار، ‏{‏وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ‏}‏ يعني‏:‏ مهاداً من نار، أو معناه‏:‏ أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ‏{‏ذلك يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي ذكر، يخوف الله به عباده في القرآن، لكي يؤمنوا‏.‏

‏{‏قَلِيلاً وإياى فاتقون‏}‏‏:‏ أي‏:‏ فوحدون، وأطيعون، ‏{‏والذين اجتنبوا الطاغوت‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ اجتنبوا عبادة الأوثان‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏الطاغوت‏}‏ يعني‏:‏ الكهنة ‏{‏أَن يَعْبُدُوهَا‏}‏ يعني‏:‏ أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم ‏{‏وَأَنَابُواْ إِلَى الله‏}‏ أي‏:‏ أقبلوا إلى طاعة الله‏.‏ ويقال‏:‏ رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله ‏{‏لَهُمُ البشرى‏}‏ يعني‏:‏ الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ الملائكة يبشرونهم في الآخرة، ‏{‏فَبَشّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏ يعني‏:‏ يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه‏.‏ ويقال‏:‏ يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 126‏]‏، ‏[‏وقال بعضهم‏:‏ يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين هَدَاهُمُ الله‏}‏ أي‏:‏ وفقهم الله لمحاسن الأمور‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏هَدَاهُمُ الله‏}‏ أي‏:‏ أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد ‏{‏وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الالباب‏}‏ يعني‏:‏ ذوي العقول‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ وجب له العذاب‏.‏ ويقال‏:‏ أفمن سبق في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب‏.‏ ‏{‏أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار‏}‏ يعني‏:‏ تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث‏.‏ ويقال‏:‏ من وجبت له النار‏:‏ وقدرت عليه‏.‏

ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل‏:‏ ‏{‏لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، ‏{‏لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ‏}‏ في الجنة، وهي العلالي‏.‏ غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، ‏{‏تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار وَعْدَ الله‏}‏ في القرآن، ‏{‏لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد‏}‏‏.‏